رد: مدينة خارج حدود الزمن .. رواية من الخيال العلمي للكاتب طالب عمران ..
اتجهت صوب مكان الحفلة، وأنا أرى الناس يتراكضون من كل مكان حتى لا يتعرضوا للعقاب.. كنت أشعر بحزن كبير لما آلت إليه الأحوال، أهكذا يستعبدهم الأمير كعب دون أن يقاوموا؟ اندسست بينهم أطل على الميدان الكبير، حيث رأيت في الجانب الآخر الأمير كعب وإلى يمينه الأمير سلطان اللذين كانا باللباس التقليدي الرسمي، كان كعب يجلس على كرسي من الرخام مثبت فوق مصطبة تطل على الساحة، وسلطان يجلس على كرسي آخر أصغر منه وأخفض منه مستوىً.. ودوّى النفير يعلن عن بدء الاحتفال.. وشاركت في حوارات الناس:
- لم يظهر البؤساء بعد؟
قال أحدهم: - من تقصد بالبؤساء؟ أتعني أولئك المجرمين الذين سطوا على مطابخ الأمير؟
- نعم.. وهم ليسوا مجرمين، لا يمكن أن تطالب الجائع بإسكات معدته بالصمت والصبر.. أفهمت؟
- انتبه الجنود حولنا في كل مكان.
قلت: - أنا ابن علي المودسي لا أخشى أحداً.. لم يركع والدي لهم.. ظلّ شامخاً رافضاً الظلم حتى مات.
- أنت الموبوء المريض بمرض والدك؟ هه.. ابتعد عنّا قد تنقل إلينا العدوى.
-إنها كذبة ساذجة انطلقت على أميرك الشاب وحاشيته.
- كذبت على الأمير؟ كيف تجرؤ؟
- يكفي، لماذا أنت مرتعب لهذه الدرجة؟ ما الذي يستطيع الأمير أن يفعله لكم لو كنتم متحدين متعاونين؟ هه؟
اقترب منّا رجل كان يسمع الحوار: -معك حق بالتأكيد
قال الأول: - بدأ الاحتفال.. ابتعد عني ولا تلمسني، سأتفرج على إعدام أولئك اللصوص .
- كما تشاء.. وإن كنت متأكداً أنك ستبلغ عني جنود الأمير.. شخصيتك الهشّة تدل على ذلك .
أخذت أتكلم بصوت مرتفع: - أمعقول أن يمثل بجائع يسرق رغيفاً بهذه الطريقة؟ إنه الظلم كيف للأمير أن يفعل كل شيء دون اهتمام منكم؟ أتخافونه إلى هذا الحد؟ معقول؟
وانبعث صوت أحد الجلادين: - هؤلاء الثلاثة الأوغاد سيُعدمون بقطع الرؤوس..
هكذا يرغبُ مولانا الأميرُ سلطان..
صرخ الأمير سلطان: - هيّا نفذوا فيهم الحكم.. فوق المنصّة.. اقطعوا رقابهم..
- حسناً يا مولاي.
وهمهم الأمير وهو يرى تنفيذ الحكم:- تدحرجت رؤوس الأوغاد الذين جرؤوا على الاقتراب من مطابخ مولاهم.. أحضروا المرأتين..
- حسناً يا مولاي الأمير..
وصرخ المنادي: - أتسمعون أيها الناس؟ هاتان المرأتان تسللتا إلى أحد مطابخ القصر، وحاولتا سرقة الطعام.. انظروا إليهما..
قفزت مرعوباً: - مستحيل، إنهما أمي وأختي.. كيف حضرتا إلى هنا.. لقد أرسلهما والدي إلى قرية بعيدة، إلى بيت أخيه الأكبر لتعيشا خوفاً من ظلم الأمير.. أمعقول؟ لا أصدق ما يجري.
كان الأمير يحاول إخضاع أمي: -ألن تعترفي أيتها المرأة بجريمتك؟
- لم أرتكب جريمة، حين جئت أسأل عن ولدي فاضل.. لم أكن أعرف أنك غضبت عليه، كما غضبت على والده..
- أمرٌ مثير للسخرية، تسألين عن المريض الموبوء الذي تتحوّل أعضاؤه إلى تراب؟ . إنه مثير للقرف ينشر العدوى في كل مكان.. كوالده..
- أنت لا تقول الصدق، ابني سليم الجسم.. كما كان والده.. أنا أعرفهما جيداً".. ألم يكن فاضل صديقك المقرب، ما الذي حولك عنه أخيراً"؟
- عثر عليه الجند في مكان عزلة والده، رفض أوامري بعدم الاقتراب من ذلك الجحر الذي يعيش فيه زوجك المخبول..
- لم يكن زوجي مخبولاً، كان يمقت الظلم والظالمين..
- ابنتك صبية حلوة، سأضمها إلى الجواري.. أتسمح لي بذلك يا أبي؟
قال كعب: - إنها هديتك يا سلطان، فكوا قيد الصبية وأحضروها إلى هنا.
كنت كالملدوغ: - يا إله السماوات كيف سأجتاز هذه الحواجز.. لأصل إليهما؟
صرخت أختي: -اتركوني أيها الأنذال.
قال الأمير: -لا تضايقوها.. ستأتي مرغمة إلي.. هيا يا جميلة.
همهمت أمي: - عفراء.. لا تستسلمي له يا ابنتي.
- لا تخافي علي يا أماه.
صرخ سلطان وهو يهتز: -تعالي.. تعالي.. أرأيت يا أبي، يبدو أنها الشخص السليم بين عائلة المودسي.
همهم كعب: - ستكون متعتك المقبلة يا بني.
لم أستطع الصبر على هذا الموقف أكثر من ذلك فدفعت من حولي مخترقاً الصفوف.
-ابتعدوا من هنا..
سألني من إلى جانبي: - ما الذي يجري يا أخ؟
- أمي وأختي أمام الطاغية.. يجب أن أصل إلى هناك.
قال: - لا تكثر من الضجيج حتى لا ينتبه إليك الجند.. سأوصلك إلى هناك.. تعال.
كان كعب يسأل سلطان: -وبماذا حكمت على المرأة يا سلطان؟
- هذه العجوز الشمطاء الطويلة اللسان.. ستوضع فوق المحرقة.
- حكم ممتاز.. والفتاة تصبح جارية لك.
صرخت أمي: - لن تصبح ابنتي جارية لك أيها الوغد..
وفجأة استلت سيفاً من سيوف الحرس:
- دافع عن نفسك أيها الوغد.. أتحدّاك..
- تجيدين استعمال السيف؟ هه؟ حاصروها بسرعة.. وأطلقوا حرابكم في اتجاهها.. هيا..
كانت أمي تجيد فعلاً استعمال السيف وكانت محاربة ماهرة.
صرخ سلطان: - وجهوا صوبها السهام من كل جانب..
وانضمت أختي إليها وقد تمكنت بغفلة من الحراس أن تستل سيف الحارس الواقف إلى جانبها: - أنا معك يا أماه.
كان سلطان يصرخ: -حاصروهما واقتلوهما.. هيا..
وكنت قد وصلت إليهما: - تشجعي يا أماه.. أنا قادم.
غمغم سلطان بخوف: - الموبوء.
قلت: - سأقترب منك وأنقل إليك العدوى.
قال الرجل الغريب الذي يساعدني: - تقدم لا تخف.. أنا أحمي لك ظهرك؟
بدا الوضع مستحيلاً، ولكن ذلك الرجل إلى جانبي، تمكن من إنقاذي وأمي وأختي، بإطلاق شيء قذفه بعدما أشعله، فأخرج ذلك الشيء ضباباً من الدخان، أعمى أعين الجند وأحدث ارتباكاً كبيراً ولم نشعر إلا ونحن مع الرجل في مكان ما تحت الأرض تضيئه المشاعل..
قلت له ممتناً لصنيعه:
- ما فعلته أشبه بمعجزة.. كيف أطلقت كل هذا الدخان؟
- طريقة تعلمتها من والدك، أنا أحد تلاميذه، صداقتك لسلطان أبعدتك عن معرفة والدك .
-ولمَ لم يهتم والدي بإبعادي عن سلطان؟
- لأنه رغب أن تكتشف الحقيقة بنفسك، علمني والدك الكثير وحين عرفت بنبأ اختفائه بعد عودتي من رحلتي الطويلة.. جن جنوني، شعرت كمن يفقد أحد أهم محاور حياته.. بحثت عنك طويلاً فلم أرك.. قيل لي أنك مريض، وتعتزل الناس، بعدما أصابك اليأس من محاولة إقناعهم بمقاومة الظلم..
كان المكان أشبه بكهف ضخم يتفرع إلى أنفاق وممّرات، تضيئها المشاعل، وفي بعض زواياه أثاث للنوم وصناديق فيها كتب ومخطوطات.. كان من الواضح أن الغريب يقيم فيه.. تجولنا قليلاً لنتعرف على ممراته وأنفاقه، كان هائل الاتساع. وقد أكد الرجل لنا: - أنه مكان لا يعرفه أحد، ستبقون فيه المدة التي تريدون.
- من الأفضل أن تذهبي يا أماه وعفراء إلى بيت عمي الأكبر في القرية البعيدة..(مودس) هذه الأيام تفقد توازنها، بفقدان أبنائها لعقولهم.
قال الرجل: -وأنا مع فاضل يا خالة.. من الأفضل لكما أن ترحلا.
- وأنت يا فاضل. ما الذي ستفعله هنا؟
- سأنفذ وصية والدي يا أماه.. سأبقى هنا أقاوم الظلم.
قالت أختي: -لم لا نبقى هنا معك، لنقاوم الظلم جميعاً"؟
- أرجوك يا أختاه.. لا مكان لكما هنا.. أعدك أنني سآتي إليكم حالما تأتي اللحظة المناسبة للقائنا من جديد..
|